يرى الكاتب كمال طبيخة في مقال نشره موقع ذا ناشيونال أن التحسن الأخير في أداء الجنيه المصري منح الأسواق قدرًا من التفاؤل بشأن مسار الاقتصاد المصري، بعدما تجاوز سعر العملة المحلية حاجز الخمسين جنيهًا للدولار للمرة الأولى منذ مارس الماضي. وجاء هذا التعافي بعد أشهر من الضغوط الاقتصادية التي فرضتها الاضطرابات الإقليمية والتقلبات في أسواق الطاقة والتجارة العالمية.


مؤشرات إيجابية تدعم الاقتصاد المصري


استند التفاؤل السائد إلى مجموعة من المؤشرات الاقتصادية المهمة. فارتفعت الاحتياطيات الأجنبية إلى مستوى قياسي بلغ نحو 52.8 مليار دولار، كما قفزت تحويلات المصريين العاملين بالخارج بنسبة تجاوزت 33 في المئة خلال الأشهر العشرة الأولى من العام المالي الجاري لتصل إلى نحو 39.2 مليار دولار.


وعززت هذه التطورات ثقة المستثمرين في قدرة الاقتصاد المصري على تجاوز الأزمات الأخيرة، خاصة بعد تراجع أسعار النفط وعودة جزء من الاستثمارات الأجنبية إلى أدوات الدين الحكومية. كذلك توقع بنك ستاندرد تشارترد أن ينهي الجنيه العام عند مستوى يقارب 49 جنيهًا للدولار.


وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن إجراءات الاستقرار الاقتصادي التي تبنتها القاهرة بدأت تؤتي ثمارها، وسط توقعات بموافقة الصندوق على المراجعة السابعة للبرنامج الاقتصادي وصرف شريحة تمويل جديدة خلال فترة قريبة.


ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، حذر عدد من الاقتصاديين من المبالغة في التفاؤل. ولفت الخبير الاقتصادي مصطفى بدرة إلى أن أهم تطور شهدته السياسة النقدية المصرية يتمثل في التزام الدولة بسعر صرف مرن يسمح للجنيه بالتفاعل مع المتغيرات الاقتصادية والجيوسياسية بصورة طبيعية.


وأوضح أن السياسات السابقة اعتمدت لفترات طويلة على دعم قيمة الجنيه بصورة مصطنعة بهدف جذب الاستثمارات، إلا أن المستثمرين لم يثقوا بشكل كامل في تلك الآلية. أما النظام الحالي فيمنح الأسواق قدرًا أكبر من الشفافية ويعزز الثقة في حركة العملة.


قناة السويس تكشف مواطن الضعف الهيكلية


رغم تحسن المؤشرات المالية، ما زالت قناة السويس تمثل أبرز نقاط الضعف في الاقتصاد المصري. فقد انخفضت إيرادات القناة من مستوى قياسي بلغ أكثر من عشرة مليارات دولار في عام 2023 إلى ما يتراوح بين ثلاثة وأربعة مليارات دولار خلال العام الحالي.


وسجلت القناة تحسنًا محدودًا خلال شهر أبريل مع ارتفاع الإيرادات إلى 419 مليون دولار، وهو أفضل أداء شهري منذ بداية عام 2024. غير أن هذا التحسن ارتبط أساسًا بزيادة حركة ناقلات النفط نتيجة التغيرات التي شهدها مضيق هرمز، بينما بقيت حركة الحاويات أقل بكثير من مستوياتها الطبيعية.


ويؤكد هذا الوضع استمرار اعتماد مصر على مصادر دخل خارجية تتأثر بصورة مباشرة بالأحداث الدولية، مثل إيرادات قناة السويس وتحويلات العاملين بالخارج والسياحة والاستثمارات الأجنبية قصيرة الأجل. وعندما يتعرض أحد هذه المصادر لهزة قوية، تنعكس الضغوط سريعًا على الوضع المالي والنقدي للدولة.


ويرى الخبراء أن اتفاق التهدئة بين الولايات المتحدة وإيران لا يكفي وحده لإزالة المخاطر القائمة، إذ ما زالت الأسواق تراقب تطورات الأوضاع الأمنية في المنطقة واحتمالات تجدد التوترات التي قد تؤثر في حركة الملاحة وأسعار الطاقة.


كما حذر محللون من أن أسعار النفط قد تعاود الارتفاع في أي لحظة إذا شهدت المنطقة تصعيدًا جديدًا، وهو ما قد يفرض ضغوطًا إضافية على الاقتصاد المصري الذي يعتمد بصورة كبيرة على استقرار أسواق الطاقة والتجارة البحرية.


مستقبل الجنيه بين الإصلاحات والمخاطر الإقليمية


تتفق غالبية التقديرات على أن وضع الاقتصاد المصري اليوم أفضل مما كان عليه قبل عدة أشهر. فقد استعاد الجنيه جزءًا من قوته، وحققت الاحتياطيات الأجنبية مستويات غير مسبوقة، كما واصلت تحويلات المصريين بالخارج تسجيل معدلات نمو قوية.


في المقابل، تبقى التحديات الهيكلية قائمة، وعلى رأسها قدرة مصر على استعادة إيرادات قناة السويس إلى مستوياتها السابقة وتعزيز القطاعات الإنتاجية القادرة على توفير العملات الأجنبية بصورة مستدامة.


ويؤكد الكاتب أن استمرار برنامج صندوق النقد الدولي يمنح الأسواق إشارة إيجابية بشأن التزام القاهرة بالإصلاحات الاقتصادية، غير أن نجاح هذه الإصلاحات سيظل مرتبطًا بدرجة كبيرة باستقرار البيئة الإقليمية. فالتوترات الجيوسياسية ما زالت العامل الأكثر تأثيرًا في حركة الاستثمارات وأسعار الطاقة والتجارة العالمية، وهو ما يجعل تعافي الجنيه المصري وإن كان حقيقيًا، عرضة لاختبارات صعبة خلال الفترة المقبلة.


ويخلص التقرير إلى أن الاقتصاد المصري قطع خطوة مهمة نحو الاستقرار، لكنه لم يصل بعد إلى مرحلة التعافي الكامل. وسيعتمد المسار المقبل للجنيه والاقتصاد عمومًا على قدرة الدولة على تقليل اعتمادها على العوامل الخارجية، وفي الوقت نفسه الحفاظ على زخم الإصلاحات وسط بيئة إقليمية ما زالت تتسم بدرجة عالية من عدم اليقين.

 

https://www.thenationalnews.com/business/economy/2026/06/22/egypts-currency-rebounds-but-recovery-still-hinges-on-regional-tensions/